نعم ها هي المأساة التي سطرها الإنسان بعشقه للتطور وقصر بصيرته عن ما تحتمه إعتماداته اليومية من إستعمال مفرط للوقود الأحفوري. نعم وصلنا الى حد المأساة المعروفة بإسم الإحتباس الحراري هذه الظاهرة الجلية بمعالمها ومؤشراتها التي أضاقت فسحة الأمل فجعلتنا نسأل من المسؤول؟ من عليه دفع هذه الضريبة؟ هل نصيب البلدان الفقيرة مزيداً من الكوارث تعرفة للغطرسة الإقتصادية التي تفرضها الدول المتقدمة؟
أسئلة عدة طرحناها فجاء الجواب ساطعاً كالشمس وهو أن للوقود الأحفوري المفرط بإستعماله من قبل الدول الصناعية الكبرى تنامى فترجم بلغة ثاني أكسيد الكربون الغاز الرئيسي المسبب لهذه القضية ذات الأبعاد العالمية والإنمائية.

فمعدلات الإنبعاثات الناتجة عن أنشطة هذه الدول ليس سوى خير دليل على أن التأثير الكبير لا يقع على المسبب إنما جاء ليثقل كاهل الدول الفقيرة الأقل قدرة على حماية نفسها من إرتفاع مستويات البحر وإنتشار الأوبئة وتدهور الإنتاج الزراعي هذه المؤشرات كافة التي بتنا أكثر قدرة على تقديرها من خلال الأبحاث التي أجريت في الفترة الأخيرة وأكدت أن الآثار الناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر بواقع متر واحد ستكون بالغة في بلدان العالم النامية، إذ يمكن أن تحول 56 مليون شخص في 84 بلداً نامياً إلى لاجئين لأسباب بيئية وأبرز هذه الدول فييتنام، مصر، موريتانيا ، غينيا ، تونس، الإمارات العربية المتحدة، وجزر البهاما.
صحيح أن العلامة الفارقة في الالتزام الدولي بمواجهة قضية تغير المناخ كان توقيع بروتوكول كيوتو، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2005، والذي أعلنت فيه الدول الصناعية مسئوليتها عن خفض إنتاج الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري، حيث إن إجمالي ما كانت الدول النامية تنتجه في عام 1990 من هذه الغازات لا يزيد على 10% من الإنتاج العالمي. ولذلك، لم تلزم اتفاقية كيوتو الدول النامية بشئ، لكن الدول الصناعية التزمت بأن تنقص إنتاجها من الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري.
وقعت كل الدول الصناعية اتفاقية كيوتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، وكان ذلك أثناء ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ونائبه آل جور، ولكن إدارة جورج بوش جاءت لتحارب هذه الإتفاقية متذرعتاً بمقولة أن القيود التي تفرضها الاتفاقية على الانبعاثات ستضر بالاقتصاد وكذلك فإن تكلفة تحويل التكنولوجيا من أجل تقليل انبعاث غازات الدفيئة ستكون عالية جدا. حجة أقبح من ذنب خاصة عندما يشهد شاهد من أهل الدار فلا مجال للنقد وعندما تترجم المقولات بالأرقام لا أحد يمكنه أن يقبل المساومة.
من ناحية فإن الاهتمام الكبير الذي صادفه فيلم آل جور، نائب الرئيس الأمريكي السابق، عن التغير المناخي، والذي سميّ 'حقيقة مزعجة' توثق من خلاله التأثيرات الناتجة عن تغير المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض من فيضانات وأعاصير وما إلي ذلك. حيث عرض هذا الفيلم خلال ساعة ونصف الساعة بشكل قوي الآثار السلبية لتغير المناخ مما أحدث رد فعل كبير، خاصة في الدول الصناعية والمتقدمة وأوصل الإدارة الأميركية الى اليقين بأن محاربة العلماء الذين يتحدثون عن أخطار الإحتباس الحراري ليس بالعمل المجدي وكذلك العروضات المالية التي قدمتها مراكز الأبحاث الأميركية و معهد «ذي أميريكان انتربرايز انستيتيوت» لتزوير الحقائق العلمية لم ينفع هذه السياسة الجاحدة القائمة على الرأسمالية المتسلطة.
ومن ناحية أخرى، فإن تقرير اقتصاديات التغير المناخي الصادر في أكتوبر 2006، والذي أعده الاقتصادي البريطاني سير نيكولاس ستيرن (Sir Nicholas Stern) بعد ان زار دولاً من مختلف مناطق العالم: الولايات المتحدة، كندا، المكسيك، الأرجنتين، البرازيل، جنوب إفريقيا، دول شرق أوروبا، فرنسا، ألمانيا، باكستان، والهند والصين، وقابل اقتصاديين من هذه الدول ودرس تأثير تغيرات المناخ علي الاقتصاد، وما هو الوضع في حالة إذا ما طبق العالم إجراءات معينة لمواجهة هذا التغير، وفي حالة عدم اتخاذ أي إجراءات. .جاء بمحصلة مفادها أن اتخاذ إجراءات للحد من تغير المناخ سوف يكلف الاقتصاد العالمي 1% من إجمالي الناتج القومي العالمي، لكن المشاكل والأخطار والخسائر التي ستنتج عن عدم اتخاذ هذه الإجراءات ستكلف العالم 10% من إجمالي الناتج القومي العالمي. ومع الأسف، فإن الدول النامية سوف تكون نسبة الخسارة فيها أعلى من هذا المتوسط العالمي المقدر ب- 10%.
هكذا وضحت الصورة وظهرت الأكاذيب والأضاليل الأميركية لتنطق بصدق أن الولايات المتحدة الأميركية بتعنتها ا ليست سوى أكبر مصدر للغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري والمسؤول الرئيسي عن كوارث تطال شعوب لا ذنب لها سوى أنها تعيش على كوكب واحد مع هكذا أنظمة متسلطة ومستكبرة.